
الآن صار للأغنيات معانٍ أخر عندما تسترجعها الذاكرة أو تطرق إذن المتلقي البائس الحسير في وطن كسير.. معاني توافق الحالة الراهنة في وطن مكلوم قُتل فيه عمداً كل الحب و الخير و الجمال.
الحب هو بدايات الوطن والحبيبة والعلاقات الإنسانية في الأرض هي بدايات الحياة الجديدة..
عنوان المقال مقتطف من أغنية (ما كنت عارف) وهي من أغنيات الراحل الجميل عبد العزيز المبارك
السنين ضاعت واحسرتي لا الطيبة أجدت لا دمعتي
لقد رحل (عزوز) قبل هذا القبح فغناها للحب والجمال وللحبيبة والقصة بسالبها والموجب.. لكن نحن الآن نسمع بقلب على الوطن لا عن غرام شخصي، يخص (جوز لوز) من أبناء الوطن بل عن حصيلة وطن ضيع أجمل ما فيه بطيبته، الطيبة التي كانت تُميز الشخصية السودانية
تحولت اليوم إلى ضعف يُستغل، و إلى عاطفةٍ تُستخدم لتبرير الفساد والدمار، أما الدموع فهي لم تعد تُحدث أثراً، فقد جفت العيون من كثرة ما رأت، وجف الضمير العام من كثرة ما صمت…
الآن في ظل هذا الدمار القراءة للغناء صارت مختلفة نرى الأغنية كمرآة لوجدان السودان الجريح، ونحول كلماتها إلى شيفرات دلالية عن الخديعة، والسلطة، والانقسام، وانكسار الحلم الوطني وحينها تصبح دلالات
(ما كنت عارف) مختلفة عن قصتها، حين يغني الوجدان عن وطن خدعه أبناءه بابنائه…
الآن ليست الأغاني العاطفية تعبر عن الحب الفردي، فمعانيها تتجاوز الشخصي إلى ما هو أوسع، إلى العلاقة المعقدة بين الإنسان ووطنه، بين المواطن والسلطة، بين الطيبة الشعبية والخداع السياسي.
وأغنية (ما كنت عارف) تُمثل هذا النموذج بامتياز، فحقاً كنا مخدوعين لا نعلم، و نظن.
وهذه الأغنية اليوم يمكن أن تُقرأ كمرثية كاملة للحالة السودانية، وكأن شاعرها كتبها للبلاد لا للحبيب، وللخذلان الجمعي لا للخذلان العاطفي الفردي الذي يخص (جوز اللوز) أو عالم (كل الناس اتنين اتنين) عبارة (ما كنت عارف ياريتني كنت عارف) التي يكرّرها النص الغنائي كأنها وجع لا يهدأ، يمكن أن تُفهم اليوم على لسان الشعب السوداني وهو يخاطب وطنه:-
(يا وطني يا من ظننتك الحضن والملاذ، فإذا بك تتحول إلى متاهةٍ من الخداع والانقسام) .
الوطن هنا يتحول إلى حبيب خائن، يخدع أبناءه بشعاراته، ويصرف وجهه عنهم في اللحظة التي يحتاجونه فيها.
هي علاقة حب غير متكافئة، المواطن يعطي بلا حدود، والوطن يستنزف دون اكتراث.
إنها صورة رمزية للسلطة التي تغازل الجماهير وتهجرها في الصباح التالي، وللوطن الذي فقد ضميره الأخلاقي وهو يقتات من دماء أبنائه، (سلطة العسكر تقتل وتسكر) بأمر من يمسك (الرسن) وتظهر حقيقة الخديعة حينما يردد المغني:-
(جاري وراء السراب مخدوع وطال الزمن)
فهو يصف بدقة مسار الشعب السوداني في العقود الأخيرة فهو يسير وراء وعود كاذبة بالديمقراطية والحرية والسلام، والحكومات المنتخبة لكن كل وعد يتحول إلى سراب سياسي جديد ، (فضاعت السنين وا حسرتي)
فتتبدل الوجوه وتبقى السياسات ذاتها من الاستبداد، الفساد، وتدوير الأزمات.
لقد أصبح الزمن نفسه جزءً من الخديعة، وطالت المسافة حتى صار الناس يشكون في إمكانية الوصول أصلًا.
إنها رحلة وطن يطارد طيف الحرية والسلام والعدالة كما يطارد العاشق سراب الحبيبة.
وتتمثل الخديعة الجماعية حينما يردد:-
(وسليت الناس عشانك)
تتحول العبارة في الاسقاط السياسي إلى رمز للخطاب الإعلامي المضلل، ذلك الذي سَلّى الناس بوعود الإصلاح، وبث فيهم (الأمل) الزائف بينما كانت البلاد تُساق نحو الحرب بعلم السلطات و امر (قائد الرسن).. وما اقسى أن يكون البعض مجرد أدوات..
كأن الشاعر يصرخ باسم المواطن الذي أدرك متأخراً أنه كان يُخدر بخطابات الوطنية الزائفة و أن :
(الأمل فيك توالف)
لم يكن سوى خدعة جديدة في سجل طويل من الخدع.
وفي وسط هذا الدمار تتجلى:
(ما كنت متصور في يوم خداع في هواك أصادف)..
خيانة الفكرة الوطنية
هذه العبارة تُختصر فيها مأساة السودان اليوم، لم يتخيل الناس أن الخداع سيأتي من داخل الفكرة الوطنية نفسها، من داخل من رفعوا شعارات الاسلام وسماحة الدين، وحملوا البنادق باسم الشعب.
لكن الحرب (السودانية السودانية ) جاءت لتكشف أن الخطر لم يكن في الخارج، بل في تحوّل حب الوطن إلى سلاح يُستخدم ضد أهله.
صار (هواك) أي حب الوطن هو التهمة، وصار (الخداع) هو العملة السياسية المتداولة،
حتى باتت كل جهة تدّعي أنها (الحارس مالنا و دمنا) بينما تُمعن في السرقة و النهب و التمزيق حتي اضحي الوطن (خُردة) حديدية تحتاج الصهر واعادة التكوين واااا حسرتي و (السنين ضاعت)… وتكون هي الفاتورة الأخلاقية للحرب و هنا تتجلى ذروة الرمزية السياسية في ( هواي كان التمن) الحب الذي صار لعنة، أن يدفع المخلصون من المواطنين الأبرياء حياتهم، بينما ينجو العابثون بالشعارات كأن الوطن يعاقب من أحبوه بصدق، و يكافئ من تاجروا باسمه حيناً وباسم الدين أحياناً…..
وهنا تكمن مفارقة السودان الكبرى و أن الخيانة تُدار تحت لافتة الدين والوطنية، وأن الصدق يبدو جريمة في زمن الانقسام.
و بهذا المعنى، لا تعود أغنية (ماكنت عارف ) مجرد لحن للحب، بل وثيقة وجدانية عن خيبة السودان في نفسه. و كل كلمة فيها تصير مرآة لعلاقة مأزومة بين المواطن والسلطة، بين الحلم والواقع، بين الحب والخداع….
وفي تكرار الجملة الأخيرة (ما كنت عارف، ياريتني كنت عارف).
يبدو وكأن الشعب بأكمله يغنيها اليوم ، ليس حزنًا على فراق الحبيب، بل ندمًا على الثقة التي أودعها في من لا يستحق، وعلى وطن أحبه حتى الموت، فكان الموت هو ما ناله وليس سواه…
وختاماً نترك اغنيات الرصِع والبل والجقم و الحرابة والقبح والقتل والغدر (للقونات الاسلامويات) المحجبات و غير المحجوبات …
لا للحرب والف لا و (ما كنت عارف يا ريتني كنت عارف).



